من يقتل من؟
الشروق أون لاين -

قبل أن نفكر في الحياة الكريمة والعزيزة، علينا أن نفكر كيف نوقف آلة الموت التي صارت تقتل في الطرقات الوطنية والسريعة وفي ملاعب الكرة وفي مراكب الهجرة السرية، وحتى في ساحات الغناء، فما حدث في حفلة المغني المغترب “سولكينغ” سهرة الخميس، هو مأساة لا يجب أن نوجّه فيها أصابع الاتهام لطرف واحد دون غيره، لأن المتسببين فيها كثر ومن كل الأطراف، وجلوس أي جزائري أمام منصة للتواصل الاجتماعي، ليلعب دور المحلل أو القاضي الذي يضع هذا أو ذاك رهن قفص الاتهام، هو هروب إلى الأمام وابتعاد عن الحلّ الحقيقي والجذري، وجُبن في مواجهة الحقيقة التي جعلت الجزائريين يموتون عندما يفوز منتخب بلادهم بالألقاب وليس عندما يخسرون، ويموتون في الأعراس والليالي الملاح، وليس في المآتم، وفي مواكب الأفراح وليس في تشييع جثامين الموتى، وحتى في حفلات الغناء التي من المفروض أنها فسحة للنفس، كما يزعم أهل الغناء والموسيقى.

من يقتل من؟ سؤال كان مجرد طرحه منذ عقدين، هو الكفر الصُراح والخيانة العظمى، التي تجرّ صاحبها إلى المتابعة والسجن، قبل أن نستفيق على مائتي ألف قتيل، لا أحد يعلم لماذا قتلوا؟ ويموت ويصاب الآن شباب وشابات أرادوا أن “يتمتعوا” بأغنية “لا ليبارتي” فسجنتهم المأساة، بين قيود نظام عاجز، حتى عن تنظيم مباراة كرة أو حفلة غناء، فما بالك بإدارة دولة يعيش فيها أكثر من أربعين مليون نسمة وتعشش فيها الأزمات.

يزدحم تاريخ الفن الإنساني بأسماء غربية وأخرى عربية هزت العالم بأغانيها، وكانت تحدث طوارئ أينما حلّت، مثل ألفيس بريسلي ومايكل جاكسون في الولايات المتحدة الأمريكية، والبيتلز في إنجلترا، وأم كلثوم وعبد الحليم في مصر، ويوديت ناريان في الهند، وتيريزا تينغ في الصين، أسماء جمعت مئات الملايين من المعجبين والمعجبات، وغنت في كل بقاع العالم، ولم نسمع عن سقوط جريح واحد في حفلاتها، فما بالك بالمجزرة التي حدثت سهرة أول أمس في حفلة المغني الجزائري سولكينغ.

هل يكفي أن تتوقف مطالب الحراك الشعبي عند جرّ اللصوص إلى غياهب السجون وتغيير الأسماء الحاكمة بأخرى، أم إن المجتمع في حاجة إلى ثورة ذاتية تعلّمه معنى الفرح ومعنى القرح، فمن غير المعقول أن تعجز السلطة التي تزعم بأنها قادرة على احتضان منافسة كأس العالم عن تنظيم مباراة كرة واحدة من دون أن يسقط قتلى وجرحى، وتعجز عن تنظيم حفلة غنائية عادية لفنان غنى في المغرب وتونس من دون وقوع أي حادث. ومن غير المعقول أن يشارك الجزائريون مع هؤلاء “العاجزين” في تحويل أفراحهم وسهراتهم الصيفية إلى مآس، فقد حان الوقت لنعرف من القاتل الحقيقي لكل هؤلاء الذين ابتلعهم البحر وتزلزلت بهم الأرض في الطرقات وسقطت عليهم جدران الملاعب وعجنت أجسامهم الأقدام في زحام ملعب 20 أوت.

The post من يقتل من؟ appeared first on الشروق أونلاين.



إقرأ المزيد